ويبقى الاسلام هو الحل


 

الثلاثاء,أيار 22, 2007


 

22 /  5  / 1986ذكرى رحيل المرشد الربانى الاستاذ عمر التلمسانى

12 رمضان

من العلامات المضيئة في مسيرة دعوة الإخوان المسلمين أن الله يختار لها قادتها، ويضفي عليهم خصائص تناسب المرحلة التي تعيشها الدعوة، فيحقق الله بهم استمرار العمل الإسلامي وتقدمه، إلى أن يتحقق موعود الله بالنصر والتمكين.

قال تعالى: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً) (النور: 55).

والأستاذ "عمر التلمساني" – تغمده الله بواسع رحمته – من هذا الطراز الفريد الذي تحمل المسئولية في فترة من أصعب الفترات في عمر دعوة الإخوان المسلمين مع مطلع السبعينيات من القرن العشرين بعد غياب في السجون والمعتقلات لأكثر من عشرين عامًا، وكأني بهم يصدق فيهم قول الحق تبارك وتعالى: (الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ) (آل عمران:172).

عمر التلمساني في سطور:

اسمه "عمر عبد الفتاح عبد القادر مصطفى التلمساني".
ولد في حارة حوش قدم بالغورية قسم الدرب الأحمر بالقاهرة في 4 نوفمبر عام 1904م، وتوفي في يوم الأربعاء 13 من رمضان 1406هـ الموافق 22 مايو 1986 عن عُمْر يناهز 82 عامًا.
دخل السجن عام في عام 1948 ثم 1954 ثم في عام 1981م، فما زادته الابتلاءات إلا صلابة وثباتًا.
نشأ في بيت واسع الثراء، فجده لأبيه من بلدة تلمسان بالجزائر، جاء إلى القاهرة واشتغل بالتجارة، وفتح الله عليه بالمال الوفير، فلجأ إلى القرآن يعتصم به، وتدثر بالانطواء على نفسه يزكيها بجهد صامت واجتهاد كبير.
في سن الثامنة عشرة تزوج وهو لا يزال طالبًا في الثانوية العامة، وظل وفيًا لزوجته حتى توفاها الله في أغسطس عام 1979م، بعد أن رزق منها بأربعة من الأولاد: عابد، وعبد الفتاح، وبنتين".
حصل على ليسانس الحقوق، واشتغل بمهنة المحاماه، وفي شبين القناطر كان مكتبه، وظل يدافع عن المظلومين حتى جاءت سنة 1933م التى التقى خلالها بالإمام الشهيد "حسن البنا" في منزله، وبايعه، وأصبح من الإخوان المسلمين وكان أول محامٍ يدخل الدعوة المباركة.
بيعة الأستاذ "عمر التلمساني:

يقول: كانت صلتي بالإخوان المسلمين، وعلاقتي بالإمام الشهيد قصة ظريفة دلت بدايتها على منتهاها.

أول ما اتخذت لي مكتبًا في شبين القناطر كنت أقيم في عزبة التلمساني، وفي يوم جمعة من أوائل العام 1933م ... كنت أجلس في حديقة الزهور فجاءني خفير العزبة يقول: "فيه أتنين أفندية عايزين يقابلوك"، فصرفت حرمي وأولادي وأذنت لهما بالمجيء، وجاء شابان أحدهما "عزت محمد حسن" وكان معاون سلخانة بشبين القناطر، والآخر "محمد عبد العال" ، وكان ناظر محطة قطار الدلتا في محاجر "أبي زعبل".

ومضت فترة في الترحيب، وشرب القهوة، والشاي، وثمة فترة صمت قطعها معاون السلخانة قائلاً: ماذا تفعل هنا؟ فأثارني السؤال، واعتبرته تدخلاً فيما لا يعنيه، فقلت ساخراً: أربي كتاكيت! ولم تؤثر إجابتي الساخرة على أعصابه، بل ظل كما هو موجهًا أسئلته قال: هناك شيء أهم من الكتاكيت في حاجة إلى التربية من أمثالك. وقلت ، وما زلت غير جاد في الإجابة: وما ذلك الشيء الذي هو في حاجة إلى تربيتي؟ قال: المسلمون الذين بعدوا عن دينهم ، فتدهور سلطانهم ، حتى في بلادهم ، وأصبحوا لا شيء وسط الأمم.

قلت: وما شأني بذلك؟ هناك الحكومات والأزهر الشريف بعلمائه يتولون هذه المهمة.

قال: إن الشعوب الإسلامية لا تكاد يُحَسُّ بوجودها. هل يرضيك أن تدعى هيئة كبار العلماء ليلة القدر من كل رمضان للإفطار إلى مائدة المندوب السامي البريطاني، وإلى جانب كل شيخ سيدة إنجليزية في أبهى زينتها؟ قلت: طبعًا لا يرضيني، ولكن ماذا أفعل؟

قال: إنك لست اليوم بمفردك، فهناك في القاهرة هيئة إسلامية شاملة اسمها "جماعة الإخوان المسلمين" ويرأسها مدرس ابتدائي اسمه "حسن البنا" وسوف نحدد لك موعدًا لتقابله، وتتعرف إلى ما يدعو إليه ، ويريد تحقيقه.

شبت العاطفة الدينية الكامنة في دخيلة نفسي، فملتُ إلى الرضا ووافقت على مقابلة الرجل، وانصرفا بغير ما استقبلا به.

وعلمت منهما قبل أن ينصرفا أنهما يؤديان مهمة في كل يوم جمعة بعد صلاة الفجر، يجوبان القرى والعزب التابعة لمركز شبين القناطر يبحثان عن رجل يصلي، ويصوم، ويؤدي فرائضه، فيتعرفان إليه، ويعرضان الدعوة فإن قبل، اعتبراه نواة لشعبة في موقعه. وكان في كل مركز من مراكز القطر من يقوم بمثل مهمتهما من الإخوان المسلمين.

وبعد أيام حضرا إلى مكتبي وأخبراني بأنهما حددا لي موعدًا مع فضيلة المرشد العام، وكان يسكن في حارة عبد الله بك في شارع اليكنية في حي الخيامية، وفي الموعد المحدد طرقت باب الرجل، وفتحت سُقْاطة الباب، ودفعته، ودخلت إلى حوش المنزل، وصفقت فرد علىَّ صوت رجل يقول: من؟ قلت: عمر التلمساني المحامي من شبين القناطر. فنزل الرجل، وفتح باب غرفة على يمين الداخل من الباب الخارجي، ودخلتها من ورائه، وكانت مظلمة، لم أتبين ما فيها، ولما فتح النافذة الوحيدة في الحجرة المطلة على الطريق تبينت أن في الغرفة مكتبًا صغيرًا غاية في التواضع، وبعض الكراسي من القش يعلوها شيء من التراب ... وجلس إلى المكتب، وقدم لي كرسيًا؛ لأجلس. وعز عليّ أن أجلس على مثل ذلك الكرسي بالبدلة الأنيقة، فأخرجت منديلاً من جيبي وفرشته على الكرسي، لكي أستطيع الجلوس هادئًا في غير تضجر، ولا قلق. وكان ينظر إلى ما أفعله، وعلى فمه ابتسامه واهنة ظننتها تتعجب مما أفعل ، ومما أدعى إليه.